صورة المقال

اللاعب العربي والبحث عن الهوية: لماذا أصبح التمثيل الحقيقي ضرورة لا ترفًا؟

22 نيسان 2026

لم يعد اللاعب العربي مجرد مستهلك عابر؛ بل أصبح اليوم قوة مؤثرة تفرض حضورها، مطالبةً بتمثيل أصيل يعكس هويته وثقافته بعمق، بعيدًا عن القوالب النمطية التي طالما حُصرت فيها.

لسنوات طويلة، ظل اللاعب العربي غريبًا في عوالم الألعاب التي يعشقها؛ فبين لغة غائبة، وشخصيات رُسمت بملامح مشوهة، وتجاهل تام لذائقته الخاصة، تشكّلت فجوة كبيرة. واليوم، مع تصدر الشباب العربي للمشهد، لم يعد هذا التهميش مجرد نقص، بل أصبح عائقًا أمام صناعة ذات تأثير كبير في منطقتنا.

اليوم، تتبدّل المعادلة تدريجيًا. ففي عام 2026، بدأت ملامح مرحلة جديدة بالتشكّل، مدفوعة باستثمارات ضخمة، خصوصًا من المملكة العربية السعودية، التي دخلت بقوة إلى هذا القطاع، حتى وصلت إلى صفقات كبرى مع شركات عالمية مثل إلكترونيك آرتس. وتشير تقارير إلى أن هذه الصفقات قد تؤدي إلى تأثير متسلسل، يدفع كبرى العناوين إلى ضخ استثمارات أكبر وتخصيص موارد أوسع لتلبية تطلعات السوق العربية وتعزيز حضورها فيه.

وتتكشف هنا فجوة طال تجاهلها، تتمثل في غياب أعمال ضخمة بميزانيات سخية تنقل روح الثقافة العربية بصدق وعمق. فرغم وجود 400 مليون ناطق بالعربية، إلا أن القصص الأصيلة لا تزال غائبة عن المشهد العالمي. وهذا ما يفسر الضجة الإيجابية التي أحدثتها لعبة أساسنز كريد: السراب؛ فقد كانت بمثابة خطوة جادة لملامسة الواقع العربي وتقديمه بوعي أكبر.

ويشير الكاتب ميكيتا كازيميروف عبر أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى أن تصبح منصة تُنقل من خلالها القصص العربية إلى العالم.

ويبرز هنا سؤال جوهري حول ما يريده اللاعب العربي من التمثيل والتوطين. وغالبًا ما تأتي الإجابة بسيطة وواضحة: هو يطمح ببساطة إلى 'الألفة'. يريد أن يصافح ملامحه في وجوه الشخصيات، ويلمس عاداته في تفاصيل اللعب، ويحتفي بأعياده وأطباقه التقليدية كجزء أصيل من التجربة، لا كإضافة هامشية. وهذا ما أكدته رينا أونور لرويترز، حين أوضحت أن جوهر ما يبحث عنه اللاعبون هو رؤية تفاصيل حياتهم اليومية داخل اللعبة.

أما عن الهوية الدينية، فقد آن الأوان لتجاوز الصور المشوهة التي طالما قدمتها الألعاب الغربية عن الإسلام. ففي منطقة يشكّل المسلمون فيها ما بين 93% و94% من سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم يعد التمثيل الدقيق مجرد 'إضافة'، بل أصبح ضرورة لاحترام اللاعبين.

يروي عماد الدغيثر، مؤسس شركة سيمانور السعودية، جانبًا من هذه المواجهة؛ حيث تعرّضت شركته لانتقادات لمجرد وجود شخصية محجبة داخل اللعبة، بدعوى أن ذلك يمثل 'فرضًا للثقافة'. ويرى عماد الدغيثر في هذا الاعتراض تناقضًا صارخًا؛ فبينما يُحتفى بالألعاب التي تنقل تفاصيل الثقافات العالمية الأخرى، يُستنكر على المطور العربي تجسيد واقع نساء مجتمعه، وكأن الحجاب ليس جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية في منطقتنا.

في بدايات الألفية، غالبًا ما قدّمت بعض الألعاب الغربية صورة نمطية ومحدودة عن المسلمين، حيث جرى وضعهم في أدوار سلبية أو تصويرهم كخصوم، وإن وُجد حضور لهم أصلًا داخل السرد. ومع مرور الوقت، بدأت الاستوديوهات تتجه نحو تقديم شخصيات مسلمة بصورة أكثر إنسانية تعكس واقعهم.

يستعيد رامي إسماعيل، الشريك المؤسس لاستوديو فلامبير، مثالًا واضحًا على هذا التمثيل النمطي في حديثه مع IGN جنوب شرق آسيا، مشيرًا إلى أن بعض الأجزاء القديمة من سلسلة Call of Duty Modern Warfare كانت تُقدّم العوالم العربية بمؤثرات بصرية وصوتية جاهزة، أقرب إلى خلفية زخرفية منها إلى فضاء حي ينبض بشخصيات حقيقية.

ويصف رامي إسماعيل الشخصية العربية في تلك الأعمال بأنها كانت تُعامل أحيانًا كعنصر ضمن الديكور، لا كإنسان مكتمل الأبعاد له حضور ودور فعلي داخل السرد. لكنه في المقابل يرى تحولًا لافتًا في الإصدارات الأحدث، حيث بدأت هذه القوالب الجاهزة بالتراجع تدريجيًا، وظهرت شخصيات مثل "فرح" التي منحت اللاعبين فرصة اختبار التجربة من منظور بطلة عربية ذات حضور حقيقي، وهو تطور يعتبره خطوة أولى نحو تمثيل أكثر واقعية.

كما يبرز جانب آخر يتعلق باللغة العربية نفسها داخل الألعاب، إذ يلاحظ اللاعبون العرب أن كثيرًا من الإصدارات لا توفر دعمًا رسميًا للغة، وفي حال توفره يكون التنفيذ ضعيفًا أو غير دقيق. ويشير رامي إسماعيل في حديث سابق خلال مؤتمر عام 2015، وفقًا لصحيفة عرب نيوز، إلى مثال على لعبة بميزانية ضخمة لم تتم مراجعة النصوص العربية فيها بشكل صحيح، رغم اعتمادها على محتوى بصري مبهر.

ويصف بأن هذا التباين الصارخ بين البذخ في الإنتاج البصري والتقشف في الدقة اللغوية يكشف عن خلل في الأولويات؛ حيث يبدو أن الاهتمام بالجمهور العربي لا يزال يفتقر إلى الجدية التي تليق بحجم استثمارات هذه المشاريع الكبرى.

في المقابل، يكشف التوسع المتسارع لصناعة الألعاب في العالم العربي عن آفاق جديدة تتجاوز حدود الترفيه، إذ بدأت مبادرات ومؤسسات عدة في دعم مسارات تدريبية تستهدف الشباب وتمكّنهم من دخول هذا المجال كمحترفين. وضمن هذا الإطار، وقّع مركز الشباب العربي في دبي مذكرة تفاهم لإطلاق برامج تدريبية مخصصة للمبتدئين في مجال تطوير الألعاب، بحسب ما أوردته بوكيت جيمر.

وتؤكد فاطمة الحالمي، المديرة التنفيذية للمركز، أن هذه البرامج لا تقتصر على نقل المهارات التقنية فحسب، بل تسعى أيضًا إلى بناء رؤية مهنية أوضح وأكثر نضجًا لدى المشاركين، بما يعزز ثقتهم في الانخراط الفعّال في هذه الصناعة، ويفتح أمامهم الباب ليكونوا ضمن صُنّاع مستقبلها وقادتها.